إقتصاد

أبعد من انهيار إهراءات المرفأ: خطر تعثّر إمدادات الغذاء

دقّ القيّمون على القطاع الغذائي في لبنان ناقوس الخطر بسبب ما اعتبروه “خللًا كبيرًا حاصلًا في عملية إخراج البضائع من مرفأ بيروت، وتكدس حاويات الغذاء في باحاته والتي تجاوز عددها الألف حاوية، والخوف من إصابة سلاسل إمدادات الغذاء إلى لبنان بالضرر الشديد”، على وقع الإضراب الذي ينفّذه القطاع العام ويشمل موظفي الإدارات والوزارات المعنيين بإجراءات ومعاملات البضائع التي تصل إلى المرفأ، فيما يأتي ذلك وسط تحذيرات من انهيار أجزاء من إهراءات القمح المتصدّعة جراء انفجار 4 آب.

ونبّهت وزارتا الصحة والبيئة في بيان مشترك إلى أنّه في حال حصول أيّ انهيار لأجزاء من الإهراءات، سينبعث غبار مكوّن من مخلّفات البناء وبعض الفطريات من الحبوب المتعفّنة وسيتشتّت في الهواء، فهل يؤدي ذلك إلى تسمّم البضائع في المرفأ وزيادة نسبة تهديد الأمن الغذائي؟انهيار الاهراءات وفساد البضائعرئيس نقابة مستوردي المواد الغذائية هاني بحصلي نفى عبر “المدن” وجود أي علاقة بين انهيار أجزاء من الإهراءات وتدهور الأمن الغذائي، معتبرًا أن انفجار 4 آب قبل سنتين ورغم ضخامته، لم يفسد البضائع التي كانت في باحة المستوعبات، وبالتالي لا داعٍ للقلق من أي تداعيات سلبية للمواد التي قد تخرج من الإهراءات في حال انهيارها على المواد الغذائية، مؤكدًا أن أقصى ما يمكن أن يصيب الحاويات هو الغبار الكثيف الذي قد يغطيها، وهو لن يؤدي إلى تلف البضائع، موضحًا أن الأزمة الحقيقية التي تهدد الأمن الغذائي اليوم تتمثل في تكدّس المواد الغذائية داخل حاويات مرفأ بيروت، مضيفًا: “صحيح أن المساعي التي قمنا بها مع رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي والوزراء المعنيين قبل ثلاثة أسابيع، أدى إلى نزول الموظفين للكشف على البضائع، لكن هذا لا يكفي ولا يعني أن المشكلة قد حُلّت، وطالما الحضور ليس كافيًا بمعدل 4 إلى 5 أيام أسبوعيًّا لموظفي الوزارات المعنية بمعاملات البضائع الذي يأخذون العينات، سنظل نشهد تأخيرًا، وبالتالي ارتفاع نسبة فساد المواد الغذائية”.

ولفت إلى أن البضائع المبردة ستبقى مبرّدة رغم تكديسها في الحاويات، والبضائع غير المبردة تحتمل درجة حرارة الشمس، لكن الخطورة تكمن في إمكانية هلاكها جراء عملية التكديس الطويلة، وهذا يظهر عند أخذ العينات وإجراء التحاليل اللازمة، وبالتالي احتمال فساد المواد الغذائية يبقى قائمًا في الظروف الحالية، وحكمًا لن تدخل أي منها إلى الأسواق اللبنانية في حال إثبات فسادها، مشيرًا إلى أنه إذا حصل هذا الأمر سنكون أمام خسائر فادحة.بدوره أكّد رئيس تجمع شاغلي المستودعات الخاصة بالمناطق الحرة في مرفأ بيروت نبيل فايق الخوري في حديث لـ”المدن” أن “لا خطر بتاتًا لانهيار أجزاء من الإهراءات على البضائع المكدسة، أولاً لأن البضائع الموجودة في المرفأ، هي ضمن مستوعبات حديدية محكمة الإغلاق، ومصنّعة بطريقة تقاوم حتى مياه الأمطار، وهي بعيدة نسبياً عن مكان الانهيار المحتمل”.

وقال الخوري إننا “نطلق على البضائع الحساسة تسمية بضائع قابلة للتلف، ونضعها عادة في مستوعبات مبردة أو معزولة تقيها مخاطر الأحوال الجوية، لكن بقاء هذه البضائع في المستوعبات لعشرة أيام أو أكثر بقليل قد يؤدي إلى فسادها، لافتًا إلى أنه “لا يمكننا الجزم أن لا ضرر على الإطلاق قد يصيب بعض الأصناف، فالحرارة المرتفعة التي نعيشها منذ فترة لا بد من أن تترك بعض الآثار السلبية”.السبب الحقيقي لتكدّس البضائععوامل عدة وراء تكدس البضائع وتعطيل عملية تخليصها في المرفأ عدّدها الخوري، مشيرًا إلى أن “أوّلها نظام المداورة بالدوامات المتّبع والمطبق منذ زمن إنتشار جائحة الكورونا، وامتد حتى اليوم بسبب تدني رواتب موظفي القطاع العام وإرتفاع أسعار المحروقات الذي انعكس على أكلاف انتقالهم إلى مراكز عملهم، وثاني الأسباب هو الدوام القصير للموظفين الذي لا يتناسب مع متطلبات المرحلة، وأعتقد أن ساعتين إضافيتين أقله خلال الأشهر الثلاثة المقبلة قد تساعدان على حلحلة الأمور بعض الشيء، أما السبب الأساسي فيعود إلى إضراب موظفي الإدارة العامة، وخصوصاً موظفي الوزارات المعنية بمراقبة دخول وخروج البضائع، وأهمها وزاراتا الزراعة والاقتصاد المعنيتان بالمواد الغذائية، وزارة الصحة المعنية بالمشروبات ومستحضرات التجميل والأدوية والمستلزمات الطبية، ووزارة الدفاع المعنية بالبضائع المصنفة خطرة، يضاف إلى ذلك إشكالية براءة الذمة التي تصدر عن الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وهذه أزمة تطال كافة أنواع البضائع، لأنها ترتبط بشركات تستورد مختلف السلع”.

وأشار إلى أنه “عند انتهاء مدّة صلاحية براءة الذمّة المذكورة، وكونها مرتبطة إلكترونيًّا بنظام “نجم” الجمركي، يتعذر على مخلصي البضائع تسجيل البيانات الجمركية على نظام نجم بسبب حجب هذه الإمكانية إلكترونيًا من قبل الصندوق الوطني للضمان، وهذه المشكلة تفاقمت وأثرت سلباً على عملية إخراج البضائع”.ارتفاع الأسعار على المواطنبحصلي شدد على أنه لا يجوز تحميل مسؤولية التعطيل الحاصل في انجاز أعمال المرفأ وتخليص البضائع إلى التجار والمستوردين، علمًا أن شركات التأمين لا تعوّض فلسًا واحدًا لهم، لأن أسباب الخسائر لا تعود إلى حادثة ما، إنما إلى تأخير وتعطيل طوعي، مشدّدًا على أن لا حل لهذه الأزمة سوى بنزول الموظفين من وزارتي الزراعة والاقتصاد إلى المرفأ لأخذ العينات وإجراء التحاليل، وعلى المسؤولين اتخاذ كل الإجراءات لإعادة وديمومة سير العمل في هذا المرفق العام.

ورأى نقيب الشركات المستوردة للمواد الغذائية أنه من غير المقبول دخول أزمة تكدس البضائع في الأسبوع الثامن، قائلًا إن هناك شركات بدأت بتوقيف الاستيراد لعدم وضوح الرؤية لتخليض بضائعها، في حين أن شركات أخرى قامت بالموضوع نفسه خوفاً من تلف المواد الغذائية التي تستوردها والتي تتطلب التبريد، ما يهدد بحصول خلل كبير في إمدادات الغذاء للبنان”، لافتًا إلى أنه كلما طال أمد إبقاء البضائع في المرفأ، كلما ارتفعت أسعارها على المواطن عند طرحها في الأسواق نتيجة التكاليف التي يتكبّدها التجار على كل يوم إضافي للبضائع في باحة الحاويات، وهذا إن تم اثبات سلامتها خلال الفحوص العينيّة بعد فترة التكديس الطويلة.

وإذ أقرّ نبيل الخوري “بالغبن اللاحق بأغلبية موظفي القطاع العام لجهة المعاناة التي يعيشونها في ظل الأوضاع المأزومة على كافة المستويات، متفهمّمًا موقفهم ومطالبهم”، اعتبر أن “القطاع العام يطالب بحقوق مادية صعبة المنال أقله حالياً”، فتساءل: “ما ذنب المستوردين الذين تتعرقل أعمالهم بسبب الإضراب الذي طال أمده في حين أن لا حلول للمطالب المادية في المدى القريب؟” لافتًا إلى أن “نتائج هذا الإضراب حتى الساعة اقتصرت على عرقلة إنسياب البضائع وزيادة أكلافها وثمنها على الجميع بمن فيهم موظفو القطاع الخاص، إضافة إلى أنها زادت ما معاناتنا كمخلصي بضائع بحيث أن الجميع يطلب منا كل شيء في الوقت الذي لا حول لنا ولا قوة إلا انتظار الفرج”.صعوبات تعيق التخليص الجمركيعن عملية التخليص الجمركي للبضائع في مرفأ بيروت، الصعوبات والعراقيل والآلية التقنية والإدارية، شرح الخوري قائلًا: “بعد وصول الباخرة وإفراغ حمولتها، علينا الحصول في اليوم التالي على إذن التسليم العائد للشحنة من شركة الملاحة بناء على موعد محدد، وإذا صادف وصول الباخرة يوم جمعة مثلًا لا يمكننا الحصول على هذا الإذن قبل يوم الإثنين، بعدها، علينا تنظيم وتسجيل ما يسمى (بيان مؤقت) بهدف الكشف على (الإرسالية) وسحب العينات المطلوبة من قبل مراقبي الجهات المعنية، وبعد عملية التسجيل علينا طلب المستوعبات المطلوبة للكشف، وذلك يتم عبر تنظيم طلب قسيمة أعمال خصوصية (BTS) ودفع بدلاتها على شبابيك صناديق إدارة المرفأ، بعد توقف إمكانية الدفع الإلكتروني، بعدها تقوم إدارة محطة الحاويات بنقل المستوعبات المطلوبة خلال الليل، أي أنه من المفترض أن تصبح جاهزة في صباح اليوم التالي”.

وأضاف: “بعض أصناف المواد الغذائية قد تحتاج إلى أربع تأشيرات أو سحب عينات بما يتناسب بين أنواع البضائع وإختصاص كل وزارة، لكن هنالك مشكلة تكمن في مراقبي الوزارات المعنية الذين يحضرون من دون أي تنسيق بينهم، أي أنه في بعض الأيام يحضر مندوبو وزارة الاقتصاد فنقوم بالكشف معهم، وإذا كانت الشحنة تخضع لوزارة الزراعة علينا انتظار مندوبيها، وبما أن الحضور الحالي للموظفين يعادل يومين في الأسبوع، وبسبب ضيق مساحات الباحات المخصصة للكشف، قد تضطر إدارة محطة الحاويات إلى نقل المستوعب الذي كشفناه مع وزارة الاقتصاد إلى الباحة الرئيسية للمستوعبات التي يمنع علي أي كان من الدخول إليها لتأمين مساحة لنقل مستوعب مطلوب للكشف منذ فترة، قد يبقى ليومين وفي بعض الحالات لثلاثة أيام، عندها علينا من جديد طلب المستوعب ذاته للكشف مع وزارة الزراعة وفق الآلية السابقة عينها مع إحتمال عدم نقله بالوقت المناسب أي وقت تواجد مندوبي الزراعة، وبعد إتمام هذه العملية، يعاد المستوعب إلى الباحة الرئيسية، عندها علينا التوجه للحصول على تأشيرة وزارة الصحة المشاركة بالإضراب أيضاً، بعدها يمكننا البدء بالمعاملات الجمركية”.

وتابع: “مع وجود إحتمال سلوك البيان المسار الأحمر، أي وجوب كشفه من قبل دوائر المعاينة الجمركية، علينا أيضًا العودة للآلية ذاتها (BTS) ودفع رسومها، ثم انتظار نقل المستوعب ليلًا للمرة الثالثة على أمل أن يكون الكشاف الذي أحيل إليه البيان مداوماً في ذاك الوقت، وفي حال التأكد من نظامية التصريح، علينا الحصول على توقيع المراقب الأول لدائرة المعاينة، والتوجه بعدها إلى صناديق الجمارك الموجودة حاليًا في مطار بيروت الدولي لتأدية الرسوم المتوجبة، وبالتوازي، علينا الحصول على أذونات الإخراج من شركات الملاحة في حال مكوث المستوعبات أطول من فترة السماح المتفق عليها بين المستورد وشركة الملاحة، وتأدية الرسوم المرفئية المتوجبة، ومن ثم التوجه لإخراج الإرسالية، وكل ما ذُكر أعلاه يتكرّر على أرض الواقع مع المئات من الطلبات وآلاف المستوعبات يوميًا”.مواد مسرطنة في المرفأ”يكثر الحديث عن إحتمالات متعلقة بانهيار قسم من الإهراءات. وتختلف الآراء حول نسب التلوث الذي سوف تنجم عن هذا الأمر، إنما الكل تناسى أو تجاهل التطرق إلى جبل النفايات والردميات القابع قرب هذه الاهراءات، والذي أجمع العديد من الخبراء على إحتوائه مادة الأسبستوس المسرطنة”، حسبما ختم الخوري، الذي أضاف: “هذا عدا عن أنه أصبح أكبر وكر للجرذان والحشرات الضارة التي تغزو مستودعاتنا اللوجستية التي أعيد إعمار العديد منها، بالرغم من تكرار مناشداتنا كتجمع لمستثمري هذه المستودعات مع كافة المعنيين وبأكثر من مناسبة، وما زلنا نتلقى الوعود منذ عامين”.

اسعار المحروقات في لبنان
زر الذهاب إلى الأعلى
error: إقرأ المزيد بالضغط على الرابط التالي